أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

248

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

والاحتمال الثاني : أن يكون من أغلّ رباعيا ، وفيها وجهان ، أحدهما : أن يكون من أغلّه : أي نسبه إلى الغلول كقولهم : أكذبته أي : نسبته إلى الكذب ، وهذا في المعنى كالذي قبله أي : نفي في معنى النهي أي : لا ينسبه أحد إلى الغلول . والثاني : أن يكون من أغلّه أي وجده غالا كقولهم : أحمدت الرجل وأبخلته وأجبنته أي : وجدته محمودا وبخيلا وجبانا . والظاهر أن قراءة « يَغُلَّ » بالياء للفاعل لا يقدّر فيها مفعول محذوف ؛ لأنّ الغرض نفي هذه الصفة عن النبي من غير نظره إلى تعلّق بمفعول كقولك : « هو يعطي ويمنع » تريد إثبات هاتين الصفتين . وقدّر له أبو البقاء مفعولا فقال : « تقديره : أن يغلّ المال أو الغنيمة » . واختار أبو عبيد والفارسي قراءة البناء للفاعل قالا : لأنّ الفعل الوارد بعد « ما كان لكذا أن يفعل » أكثر ما يجيء منسوبا إلى الفاعل نحو : وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ « 1 » ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ « 2 » وبابه . ورجّحها بعضهم بقوله : « وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ » فهذا يوافق هذه القراءة ، ولا حجّة في ذلك لأنها موافقة للأخرى . والخذل والخذلان ضد النصر ، وهو ترك من تظنّ به النّصرة . وأصله من « خذلت الظّبية ولدها » أي : تركته منفردا ، ولهذا قيل لها : خاذل . ويقال للولد المتروك أيضا : خاذل ، وهذا على النسب ، والمعنى أنها مخذولة ، قال بجير : 1491 - بجيد مغزلة أدماء خاذلة * من الظّباء تراعي منزلا زيما « 3 » ويقال له أيضا : خذول ، فعول بمعنى مفعول . قال : 1492 - خذول تراعي ربربا بخميلة * تناول أطراف البرير وترتدي « 4 » ومنه يقال : « تخاذلت رجلا فلان » قال الأعشى : 1493 - بين مغلوب تليل خدّه * وخذول الرّجل من غير كسح « 5 » ومعنى المادة : هذا الترك الخاص . والغلول في الأصل : تدرّع الخيانة وتوسّطها ، والغلل : تدرّع الشيء وتوسّطه ، ومنه : « الغلل » للماء الجاري بين الشجر ، والغلّ : الحقد لكمونه في الصدر ، وتغلغل في كذا : إذا دخل فيه وتوسّط قال : 1494 - تغلغل حيث لم يبلغ شراب * ولا حزن ولم يبلغ سرور « 6 » فالغلول الذي هو الأخذ في خفية مأخوذ من هذا المعنى ، ومنه : « أغلّ الجازر » إذا سرق أو ترك في الإهاب شيئا من اللحم . وفرّقت العرب بين الأفعال والمصادر فقالوا : غلّ يغلّ غلولا بالضّمّ في المصدر والمضارع إذا خان ، وغل

--> ( 1 ) سورة يونس ، آية ( 100 ) . ( 2 ) سورة آل عمران ، آية ( 179 ) . ( 3 ) البيت لزهير لا كما قال المصنف انظر ديوانه 35 ، البحر 3 / 81 . ( 4 ) البيت لطرفة انظر ديوانه 9 ، شرح المعلقات ( 138 ) . ( 5 ) انظر ديوانه 243 . ( 6 ) تقدم .